حسن حسني عبد الوهاب

75

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

الجميلة الخط ، خصوصا أن هذا الأمير كان مولعا بعلوم الفلسفة والكلام وبالفلك وفنونه " 1 " وقد حفظ لنا التاريخ أسماء بعض أولئك السفراء الذين كان يخرجهم من حين لآخر إلى المشرق . وهكذا تهيأ لإبراهيم الثاني - يتيمة العقد الأغلبي - أن يوشّح " بيت الحكمة " الذي أنشأه في رقادة بنفائس الكتب الفنية - الأصيلة والمترجمة - وبآلات الرصد الفلكي وغيرها ، يكفينا شاهدا شغف هذا الأمير وعنايته بالخزانة التي أنشأها فإنه كان يرسل إلى كبار علماء القيروان المبرّزين في النحو واللغة فيجلبهم إلى رقادة ويمسكهم عنده المدة الطويلة لتصحيح مخطوطات مكتبته وشكلها وتفسير مفرداتها ، فقد حكى الزبيدي في ترجمة أبي محمد الأموي المكفوف ، عميد العربية والأدب في القيروان في عصره ، ما يأتي : أبطأ أبو القاسم بن عثمان الوزان النحوي عن زيارة شيخه أبي محمد المكفوف أياما كثيرة ثم أتاه فلامه على تخلفه عنه وقال له : " يا أبا القاسم نحن كنا سبب ما أنت فيه من العلم ، وقد علمت كيف كنت أخصّك وأوثرك على غيرك فلما صرت إلى هذه الحال قطعتنا ، قال له : أصلحك اللّه ، أعذر فقد كان لي شغل ، فقال ما هو ؟ - قال : اليوم أكثر من شهر أختلف إلى رقادة ، إلى قصر الأمير ، أشكل له كتبا وأصححها ، وأضبطها ، فقال المكفوف : سررتني واللّه ، قال : بماذا سررتك ؟ - قال : " بما يكون من برّه ومكافأته على اختلافك إليه وتصحيحك لكتبه " " 2 " . وليس لدينا ما يفيد كيف كان ترتيب الكتب بتلك الخزانة العظيمة لكننا نعلم أن المؤلفات كانت تتركب من جزء أو أجزاء كثيرة ، وأن كل واحد منها يسمّى " كتابا " ويشمل من عشرين إلى أربع وعشرين ورقة من الرق في شكل مربع مستطيل يختلف طوله في الغالب ما بين 22 إلى 30 سنتيمتر ، في عرض 15 أو 20 سنتيمتر . وربما وضعت تلك الأجزاء أو الكتب ، في " ربعة " من خشب مغشّى بالجلد الناعم ، كما يوجد أجزاء مجلّدة بأسفار بديعة تدلّ على ما بلغ إليه فنّ

--> ( 1 ) طبقات النحاة - للزبيدي [ ص 264 ] . ( 2 ) طبقات الزبيدي [ ص 258 . إلا أن سياق الخبر يفيد أن الحادثة وقعت في زمن زيادة اللّه الثالث آخر الأمراء الأغالبة وليست في عهد إبراهيم الثاني ] .